يناقش مروان المعشر في هذا التحليل مسألة الحرب الجارية ضد إيران، ويحذر من الاعتقاد بأن القصف العسكري أو إسقاط الأنظمة بالقوة يمكن أن يقود تلقائيًا إلى الديمقراطية أو الاستقرار. ويرى أن تجارب الشرق الأوسط، وعلى رأسها تجربة العراق، تكشف أن تغيير الأنظمة من دون تصور واضح لليوم التالي يقود غالبًا إلى الفوضى بدل الإصلاح.


وتوضح مؤسسة كارنيجي أن أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب ضد إيران ما زالت غير واضحة، إذ يتأرجح الخطاب الأمريكي بين نفي السعي إلى تغيير النظام الإيراني وبين تبني خطاب يوحي بأن إسقاطه يمثل هدفًا رئيسيًا. ويرى التحليل أن غياب الأهداف الواضحة يجعل الحرب مرشحة لإنتاج مزيد من العنف وعدم الاستقرار بدل تحقيق السلام.


دروس حرب الخليج وعملية مدريد


يستحضر الكاتب تجربة عام 1991 عندما قاد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تحالفًا دوليًا لطرد الجيش العراقي من الكويت. ورغم امتلاك واشنطن قوة عسكرية كبيرة في المنطقة، اختار بوش عدم السعي إلى إسقاط نظام صدام حسين، إدراكًا لحساسية وجود قوات أمريكية تقاتل دولة عربية في نظر الرأي العام العربي.


وبعد انتهاء الحرب مباشرة، سعت الولايات المتحدة إلى إطلاق مسار سياسي يعالج جذور التوتر في المنطقة. فأطلقت ما عرف بعملية مدريد للسلام، حيث جلست إسرائيل والفلسطينيون والأردن وسوريا ولبنان إلى طاولة المفاوضات برعاية أمريكية بهدف الوصول إلى تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي.


ويرى الكاتب أن تلك العملية، رغم محدودية نتائجها، خلقت في ذلك الوقت مناخًا من الأمل بإمكانية تحقيق سلام حقيقي، خاصة مع استعداد الولايات المتحدة للعب دور الضامن للمفاوضات وليس مجرد وسيط.


العراق نموذج للفوضى بعد تغيير النظام


يوضح التحليل أن إدارة بوش الأب توقعت أن يؤدي إضعاف الجيش العراقي عام 1991 إلى انتفاضة داخلية تسقط نظام صدام حسين. لكن تلك الانتفاضات واجهت قمعًا شديدًا، واستطاع النظام العراقي البقاء في السلطة حتى عام 2003.


وفي ذلك العام شنت الولايات المتحدة حربًا جديدة ضد العراق بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، وأسقطت النظام العراقي عبر حملة عسكرية واسعة. لكن تفكيك مؤسسات الدولة والجيش خلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا عميقًا ما تزال البلاد تعاني من آثاره حتى اليوم.


ويستخلص الكاتب من هذه التجربة أن إضعاف الأنظمة أو إسقاطها من دون خطة واضحة لإدارة المرحلة التالية لا يقود إلى الديمقراطية، بل يفتح الباب للفوضى والصراعات الداخلية.


الحرب على إيران واحتمالات المستقبل


يرى التحليل أن الحرب الحالية ضد إيران لا تشبه لحظة مدريد في التسعينيات، لأن الأطراف الرئيسية لا تبدو مهتمة بإطلاق مبادرة دبلوماسية واسعة بعد انتهاء القتال. ويتوقع الكاتب أن تشعر الحكومة الإسرائيلية بمزيد من الثقة العسكرية بعد الحرب، ما قد يدفعها إلى مواصلة سياسات توسعية مثل ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.


وفي المقابل لا يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتمامًا بقيادة جهد دولي جاد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي أو دفع عملية سياسية تقود إلى حل الدولتين، بل قد يعلن النصر العسكري على إيران ثم ينهي مشاركته السياسية في الملف.


ويحذر الكاتب من أن هذا السيناريو سيترك شعوب المنطقة أمام فراغ سياسي جديد، حيث تواجه إيران جراحًا عميقة وغضبًا شعبيًا واسعًا، بينما تظل أسباب الصراع الإقليمي دون معالجة.


كما يشير التحليل إلى أن النظام الإيراني، رغم الانتقادات الداخلية، يمتلك مؤسسات قوية مثل الحرس الثوري وبنية سياسية دينية راسخة، ما يجعل إسقاطه بالقوة أمرًا أكثر تعقيدًا مما يتصور البعض.


ويخلص الكاتب إلى أن إضعاف السلطة المركزية عبر القصف الجوي لا يضمن تغيير النظام ولا يحقق الديمقراطية. بل قد يترك وراءه مجتمعًا أكثر غضبًا وعداءً للغرب، ويزيد احتمالات عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ويرى أن التاريخ يقدم درسًا واضحًا: لا يحقق تغيير الأنظمة السلام أو الازدهار إلا إذا ارتبط برؤية سياسية واضحة وخطة عملية لليوم التالي.

 

https://carnegieendowment.org/emissary/2026/03/iran-strikes-goals-regime-change